ابن العمراني

96

الإنباء في تاريخ الخلفاء

أمير المؤمنين المأمون هو أبو العباس ، عبد الله بن هارون الرشيد . وأبو العباس كنيته كنّاه بها أبوه فأما هو فإنه تكنّى بعد موت أبيه بأبي جعفر وهي كنية الرشيد وكنية المنصور . وأمه أم ولد كانت طبّاخة واسمها « مراجل » وأصلها من باذغيس ، وكان أكبر من الأمين وكانت زبيدة بقيت مع الرشيد مدة لم تحبل فشكا ذلك إلى بعض خواصه فقال : يا أمير المؤمنين نبّه رحمها بإحبال بعض جواريك . فدخل يوما إلى المطبخ فرأى مراجل المقدم ذكرها فجذبها وجامعها ونفذ إلى زبيدة من يعلمها بذلك . ونفذ إليها بعد أيام من يخبرها بأن مراجل حبلت . فلما كان بعد أيام قلائل حبلت زبيدة بالأمين « 200 » . وتقلّد المأمون الخلافة وسنه سبع وعشرون سنة ، وكان مولده ببغداد في الليلة التي استخلف فيها الرشيد وهي ليلة النصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة . ولم تلبث أمه بعد ولادته إلّا قليلا وماتت وهو طفل فصيّره الرشيد في حجر الجوهري « 201 » [ 36 أ ] مولاهم فأرضعته زوجة سعيد ، ثم كبر فأدّبه أبو محمد اليزيدي « 202 » وجمع له الرشيد الفقهاء والمحدثين من الآفاق فبرع وفاق في سائر العلوم على سائر أبناء جنسه وعصره وكان يسمى نجيب بنى العباس ، وكان الرشيد معجبا به شديد الحب له . وكان إذا رآه يصطنع الناس بأقواله وأفعاله ورأى محمد بن زبيدة يشتغل بجمع المال وبنى الدور والقرى يتمثّل بهذا البيت : يبنى الرجال وغيره يبنى القرى * شتّان بين قرى وبين رجال وكانت زبيدة تعاتبه دائما وتقول : أنت تحب عبد الله أكثر من ابني . فقال لها يوما وقد ذكرت له ذلك : تريدين أن أعرفك الفرق بين محمد وبين عبد الله ؟ قالت : الأمر لك . فدعا « 203 » خادمين وقال لأحدهما : امض إلى محمد واجلس عنده وانبسط في الحديث ثم قل له في أثناء كلامك : يا سيدي إذا أفضت الخلافة إليك ما ذا تصنع معي ؟ وقال للآخر : امض إلى عبد الله واجلس عنده وتحدّث معه وقل له في أثناء حديثك مثل هذا وأعد عليّ ما يكون في جوابه فمضيا ولبثا ساعة وعاد